قارب الشهر الأول من العام 2010 على الانقضاء، وقد يبدو هذا أمرا عاديا يتكرر كل عام مع استقبالنا لعام جديد، ولكن ما يميز هذا العام عن غيره هو توديعنا لأول عقد في القرن الواحد والعشرين، بل في الألفية الثالثة بأكملها. ولا يمكن في الواقع أن نتجاوز هذه الحقيقة دون أن نقف وقفة مراجعة لأحداث هذا العقد الذي مضى خاصة وأنه تضمن أحداثا غيرت مجرى التاريخ بشكل مختلف تماما وكان لها وقعها بشكل خاص على منطقتنا العربية.
ففي العقد الماضي سقط برجا التجارة العالميين – أو أُسْقِطا – لتسقط معهما حقبة كاملة تلت إرهاصات انهيار الاتحاد السوفييتي وميزها الانفراد الأميركي بالسيطرة على العالم، ولتبدأ حقبة جديدة يصح أن نسميها حقبة السقوط .. أو عقد السقوط.
سقط البرجان، فسقط القناع عن وجه "دعاة السلام" و"مروجو الدبلوماسية والديمقراطية وحقوق الإنسان"، فسقط مع القناع نظام طالبان في أفغانستان وتجرع – وما زال يتجرع – الشعب الأفغاني الويلات لذنب لم يقترفه، سوى أنه كان ضحية سقوط آخر، وهو سقوط قناع مدعي الإسلام ممن يفجرون ويذبحون وينحرون .. ويقتلون الأبرياء في كل مكان وزمان، والإسلام منهم براء. سقطوا هم ليترجل كثيرون بسبب غبائهم، وليس مصطفى العقاد إلا أحد الذين ترجلوا، ليَقْتُلَ حلمه بصلاح الدين نفس الذين يقتلون صلاح الدين في قبره كل ليلة وكل يوم.
وسقط العراق .. وسقط معه حاضرته بغداد، بغداد التي صرخت "وا معتصماه" ناسية أن المعتصم يرقد في تراب ليست ببعيدة عنها. أفتطلب الشيء من فاقده؟! وفي العراق سقطت أزعومة "حقوق الإنسان" مع تساقط صور سجن أبو غريب. وسقطت الوحدة العربية مع تساقط أشلاء أطفال العراق تحت نيران المحتل. وسقطت الأخلاق الإنسانية مع سقوط الفلوجة. وسقطت اللُّحمة الوطنية مع تساقط الانتماء للوطن. لم الغرابة؟ هذا ما يحدث عندما يسقط .. العراق!
وسقطت القضية الفلسطينية في زواريب الصراعات الداخلية، لتسقط معها قدسيتها ونضال ستين عاما تتخضب بالدماء الزكية والدموع الأبية. هكذا وقع الجميع بالفخ، انتخابات فحكومة فخلاف فتهافت على السلطة ومن أجل ماذا؟ دولة على الخريطة! ومن أجل ماذا؟ حكومة بلا دولة! ومن أجل ماذا؟ سلطات بلا صلاحيات! فيا لها من حسرة تعتصر قلبي أبي عمار وأحمد ياسين على ما صرفاه في سبيل القضية.
ثم ما لبث أن سقط مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كان يحضر للمنطقة. أرادوا أن يمرروه بإسقاط الحريري .. وأرادوا أن يمرروه بإسقاط قدسية القضية الفلسطينية .. وأرادوا أن يمرروه بإسقاط العروبة في قلبها النابض سورية .. وأرادوا أن يمرروه بهذا وذاك وغيره .. وعانت الأمة وكادت أن تسقط تماما، ولكن هيهات هيهات، فهذه الأمة لم توجدْ لكي تموت. هذه الأمة وُجِدت لتبقى صامدة شامخة .. كيف لا والتاريخ إن أراد أن يروي قصة الأمة فلن يجد في معاجمه غير الصمود عنوان لهذه القصة.
سقط مشروع الشرق الأوسط الجديد بعد أن سقطت هيبة جيش الكيان الصهيوني تحت أرجل أبطال المقاومة في جنوب لبنان. سقطت هيبتهم .. بـــ"وعد صادق". سقطت مقولة الجيش الذي لا يقهر تحت وابل أمطار الكرامة والعزة العربية التي سقطت فوق حيفا وصفد والجليل، فاستقبلتها هذه المدن باشتياق مختارة غير مجبرة ولسان حالها يقول "طولت الغيبة ستين سنة". تموز وحده الذي لم يسقط، بل نقشت حروفه من ذهب في صحف الكرامة والإباء .. يخلدها التاريخ لمن أراد أن يتعظ.
وقبل نهاية العقد، سقط النظام العالمي المالي الظالم المبني على كد الفقراء وعرقهم. سقط الدولار، وأصحاب الدولار، ومن يعملون من أجل الدولار، ومن لا يفهمون إلا لغة الدولار. كلهم سقطوا. قد تتبدى ظلالهم ماثلة أمامنا، ولكنها سراب سيتلاشى مع مرور الأيام والشهور .. لأنهم جميعا سقطوا.
أمورا كثيرة سقطت لا يتسع المجال لسردها هنا .. وعادة ما يتبع فترةُ السقوط فترةَ نهوض، ونحن نتفاءل بأننا على أعتابها. لا أريد أن أفرط في التفاؤل، فحال الأمة لا يسر مخلصا، ولكن لا مكان للتشاؤم لمن أراد النهوض .. فالنهضة لا تلبي إلا نداء العمل الدؤوب المتواصل .. فلنجعل هذا العقد، إخواني، عقد النهضة.
فادي عرودكي
|